أحمد بن علي القلقشندي

358

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ملك ( قسطنطين ) بن هيلاني ، فجدّد بناء بوزنطية وزاد في بنائها ، وسمّاها قسطنطينيّة نسبة إليه ونزل بها فصارت دار ملك للرّوم بعده إلى الآن . قال : وهي على ضفّة الخليج المنصبّ من بحر نيطش ومانيطش إلى بحر الرّوم ، وقد صار هذا الخليج مشهورا بها . فيقال فيه ( الخليج القسطنطينيّ ) كما تقدّم . وجهاتها الثلاث من الشرق والغرب والجنوب إلى البحر ، والجهة الرابعة وهي الشّمال إلى البرّ ، وقطرها من الشرق إلى الغرب ثمانية وعشرون ميلا ، ولها سوران من حجارة بينهما فضاء ستّون ذراعا ، وعرض السّور الداخل اثنا عشر ذراعا ، وارتفاعه اثنان وسبعون ذراعا ، وعرض السّور الخارج ثمانية أذرع ، وارتفاعه اثنان وأربعون ذراعا ، وفيما بين السّورين نهر يسمّى ( قسطنطينيانوس ) مغطَّى ببلاط من نحاس ، يشتمل على اثنين وأربعين ألف بلاطة ، طول كلّ بلاطة ستة وأربعون ذراعا ، وعمق النهر اثنان وأربعون ذراعا . ولها نحو مائة باب أكبرها باب الذهب : وهو باب في شماليّها ، طوله أحد وعشرون ذراعا ، وهو مضبّب ( 1 ) بالحديد ، وبه أعمدة من ذهب ، وبها قصر في غاية الكبر والعلوّ ، وطريقة الذي يتوصل إليه منه يعرف بالبدندون . وهو من عجائب الدنيا ، يمشى فيه بين سطرين من صور مفرّغة من النّحاس البديع الصّناعة على صور الآدميين وأنواع الخيل والسّباع وغير ذلك ، وفي القصر ضروب من عجائب المصنوعات . قال في « تقويم البلدان » : وحكى لي بعض من سافر إليها أن داخلها مزدرع وبساتين ، وبها خراب كثير ، وأكثر عمارتها في الجانب الشرقيّ الشّمالي ، وكنيستها مستطيلة ، وإلى جانب الكنيسة عمود عال دوره أكثر من ثلاثة باعات ، وعلى رأسه فارس وفرس من نحاس ، وفي إحدى يديه حربة كبيرة ، وقد فتح أصابع يده الأخرى وهو مشير بها . قيل : إن ذلك صورة ( قسطنطين ) باني المدينة . قال في العزيزيّ : ولها أربع عشرة معاملة . واعلم أن هذه المملكة كانت أوّلا بيد اليونان . قال البيهقي : وهم بنو يونان

--> ( 1 ) الضّبّة : حديدة عريضة ، يضب بها الباب والخشب ، فيربط إلى بعضه فيصبح أكثر متانة .